محمد حسين الذهبي
353
التفسير والمفسرون
والشيخ على السويدي ، وكان رحمه اللّه غاية في الحرص على تزايد علمه ، وتوفير نصيبه منه ، وكان كثيرا ما ينشد : سهرى لتنقيح العلوم ألذ لي * من وصل غانية وطيب عناق اشتغل بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، ودرس في عدة مدارس ، وعندما قلد إفناء الحنفية ، شرع يدرس سائر العلوم في داره الملاصقة لجامع الشيخ عبد اللّه العاقولي في الرصافة . وقد تتلمذ له وأخذ عنه خلق كثير من قاصى البلاد ودانيها ، وتخرج عليه جماعات من الفضلاء من بلاد مختلفة كثيرة ، وكان - رحمه اللّه - يواسى طلبته من ملبسه ومأكله ، ويسكنهم البيوت الرفيعة من منزله ، حتى صار في العراق العلم المفرد ، وانتهت إليه الرئاسة لمزيد فضله الذي لا يجحد ، وكان نسيج وحده في النثر وقوة التحرير ، وغزارة الإملاء وجزالة التعبير ، وقد أملى كثيرا من الخطب والرسائل ، والفتاوى والمسائل ، ولكن أكثر ذلك - على قرب العهد - درس وعفت آثاره ، ولم تظفر الأيدي إلا بالقليل منه ، وكان ذا حافظة عجيبة ، وفكرة غريبة ، وكثيرا ما كان يقول : « ما استودعت ذهني شيئا فخانني ، ولا دعوت فكرى لمعضلة إلا وأجابني » . قلد إفتاء الحنفية في السنة الثامنة والأربعين بعد المائتين والألف من الهجرة المحمدية ، وقبل ذلك بأشهر ، ولى أوقاف المدرسة المرجانية ؛ إذ كانت مشروطة لأعلم أهل البلد ، وتحقق لدى الوزير الخطير على رضا باشا ، أنه ليس فيها من يدانيه من أحد . وفي شوال سنة 1263 ه ثلاث وستين ومائتين بعد الألف انفصل من منصب الإفتاء ، وبقي مشتغلا بتفسير القرآن الكريم حتى أتمه ، ثم سافر إلى القسطنطينية في السنة السابعة والستين بعد المائتين والألف ، فعرض تفسيره على السلطان عبد المجيد خان ، فنال إعجابه ورضاه ، ثم رجع منها سنة 1269 ه تسع وستين ومائتين بعد الألف . وكان - رحمه اللّه - عالما باختلاف المذاهب ، مطلعا على الملل والنحل ، سلفى الاعتقاد ، شافعي المذهب ؛ إلا أنه في كثير من المسائل يقلد الإمام